كلية الطب الملكية العراقية ، صرح خالد

د. عمر  الكبيسي     
hd  


الصرح الشامخ بعطائه لا بارتفاع بناءه والذي ظل يطاول الزمن فخراً وكبرياء ، يشهد شاخصا بحنكة الساسة والعلماء الذين شيدوه في تأريخ العراق المعاصر.ة


كثيرة تلك القصور التي شيدت والمعالم التي ورثتها بغداد في عصورها السابقة واللاحقة لكنها جميعا لا تثير في النفوس ما تثيره هذه البناية المتواضعة التي كانت وبقيت وستبقى مع مرور الزمن صرحا في نتاجها وصرحا في حكمة تاسيسها وادامتها ورفعتها واسبقيتها وعلميتها ونموذجيتها .ة


نعم في بغداد صرح المدرسة المستنصرية العباسية وفي بغداد مراقد الأئمة الأطهار وبيوت عبادة ومآذن وجوامع وكنائس ومتاحف قديمة في تأريخها وإرثها وهندستها، ولكل منها قصة بناء وتجديد وتاريخ حافل، لكنها جميعا تروي لنا في قصصها تاريخ نمو وانحدار، بناء وهدم ،نشوء وسقوط ، اهتمام واهمال، أما هذا الصرح فهو لا يحكي الا قصة الحكمة والتهيئة اللازمة للتاسيس والبساطة والذوق في الكلفة والمظهر كما تحكي قصة المسيرة الحافلة بالموهبة والكفاءة والنهوض وتحكي قصة البداية لكل صرح لا تكون له نهاية! لان هدفها انساني نبيل في الزمن المظلم الذي كانت فيه الحروب والفتن مشتعلة والأمراض والأوبئة فتاكه والفقر والجهل مخيم والاستعمار موجود لكنها جميعا لم تمنع ان تكون الإرادة الخيرة موجوده والعزيمة قوية مادام الهدف نبيل والغاية هي الإنسان ، فكان للشمعة المتقدة في الأجواء العاتمة نورها الساطع ودلالتها المضيئة في الظلام الدامس .
دولة تشكلت بأحضان احتلال غازٍ متمرس وملك منَّصب خريج صحراء وبادية في بلد حكم لقرون من الزمن في ظل امبراطورية سلطان وحروب وأطباء عادوا متعبون من جولات المعارك وعاصمة الرجل المريض لا تتجاوز أعدادهم أصابع الكفين، وبعزيمة طبيب أجنبي توفرت في وجدانيته ضمن رعاية الملك المنصب فرصة لفعل انساني تم تأسيس وبناء هذا الصرح كي يبقى مشروع للحياة وللعطاء والابداع يقص للعراقيين قصة مسيرة كلية الطب الملكية العراقية التي تأسست نهاية تشرين الثاني عام 1927 وتمت افتتاح بنايتها وصرحها الخالد في نيسان عام 1930 أي بعد سنتين ونصف فقط وهي كما تظهر الصورة ما زالت على ما تبدو عليه أطلالة متواضعة أنيقة بطابق واحد لبناء لاحق متكامل واسع مطل على دجلة الخير وكرخ العشيق الشاعر ابن زيدون وضريح الصوفي الحلاج صريع فكر الحلول الصوفي.ة


من يقرأ فكرة تأسيس الكلية ومن ثم فتحها وافتتاح بناءها يقرأ الحكمة والتصميم والتخطيط في أروع انجازاته وأبسط حواضنه من أجل الإنسان في صراعه من المرض.ة


تحكي قصة الكلية الطبية الملكية العراقية مسيرة أجيال متلاحقة من أفذاذ الأطباء والجراحين والعلماء والخريجين الذين أزدرهت بجهودهم حياة الأنسان العراقي وفاضت بالعطاء المثمر ليبني خريجيها بعدئذ كلياتنا الطبية الرائدة في جامعات القطر كافة في عموم العراق وتفد كل شعوب وأقطار المنطقة العربية برسل الطب ورواد الشفاء الذين تخرجوا منها خلال مسيرتها الطويلة.ة


لو سئلني احدهم ماذا يعني لك هذا الصرح اليوم وانت تعيش منذ سنوات خارج العراق بعيدا عن بغداد؟ لقلت على سليقتي بلا غلو ومغالاة، حين كنت في بغداد كانت كليتي التي خرجتني عزيزة على قلبي ونفسي تبعث رؤيتها في نفسي الذكريات الجميلة والزمالات الرائعة والشعر والغزل وتذكرني بناديها الجميل ومقلوبته اللذيذة وايام امتحانتها (وكويزاتها ) العصيبة، أما اليوم بعد سنوات الهجرة فبمجرد رؤيتي لمشهد صرحها العظيم من صفحات الإنترنيت قبل أن اكتب مقالتي هذه وبدون عمق في التفكير، سالت وانهالت دموعي بلا توقف لفترة غير قصيرة ورغم إني سئلت نفسي تكراراً ، لماذا هذه الدموع وهذا النحيب ؟ لم يشفعني جواب مقنع لهذا الشعور، هل هو شعور من العرفان بالجميل ام هو شعور بالحرمان والإنقطاع من الجذور أم هو نمط من الأسى على الماضي التليد والحاضر البليد أم هو الشوق الى أمل العودة واللقاء السعيد أم هو اليأس والقنوط من تحقيق العودة المنشودة بمرور السنين وتقدم العمر حيث تتوالى أقدار الموت على اعلامنا الطبية وتوارى جثامينهم في كل صوب وحدب بعيد عن ترب الوطن ، مسحت دموعي في أوساط هذه المشاعر الممزوجة وبدأت اكتب مقالي هذا ، إذ لم يعد لي من وسيلة اقنع بها نفسي غير الكتابة والتعبير عن ما يثقل كاهلي ويقبض روحي أو يسكن هواجسي مع إني أشعر ان ما اكتبه أحيانا قد يغيض العديد ويعكر صفاء اذهانهم واجواء حياتهم.ة


الأمل منشود ان تبقى هذه الكلية معلما وصرحا خالدا للأجيال بمستواها الرفيع وبتواصل عطاء أساتذتها المتعاقبين وان يعود العراق آمنا موحدا سالما غانما من محنته ، وتستطيع عمادة كلية الطب ان تنظم حفلا جامعا في يوم ما غير بعيد تدعوا فيه كافة خريجيها في الشتات لتحتضنهم فخورة بهم محفوفة بحضورهم وانا متأكد ان كل حي من خريجيها لن يتوانى في تقبيل ترب هذا الصرح الخالد وساحته الجميلة التي كانت مصدر علمهم وإشعاعهم وعطائهم في الدنيا الواسعة التي انتشروا فيها والتي لم تعد تحدها أرض ولا سماء بعد أن اصبح العديد من خريجها روادا يؤدون رسالتهم الإنسانية في أمم شتى يعيدون للذاكرة ويردون الجميل لما فعله الطبيب الانكليزي سندرسن باشا ومجموعة الأطباء  الأجانب الوافدين الى العراق من خدمات رائعة قبل قرن من الزمن لمسيرة الطب الزاخرة في العراق الحديث.ة


رحم الله أرواح أفذاذنا الأطباء الأوائل وأطال اعمار من تبقى منهم بصحة وعزة وكل الود والتقدير لكل من يسهم اليوم منهم بكتابة وتوثيق صفحات تاريخ الطب الحديث في عراقنا الحبيب.ة

عمّان في 14 آذار 2012.

   

^