hd      
   

مير بصري يؤرخ ليهود العراق أيام الوحدة الوطنية

حاخامات وأدباء وأطباء وصيارفة وموسيقيون ووزراء

رشيد الخيُّون

أنشأ مناحيم صالح دانيال دار «الميتم الإسلامي» ببغداد 1928 من ماله الخاص. وكان أول طيار مدني عراقي هو اليهودي ساسون دانيال صالح،

وكان لليهود في العشرينات عزاء حسيني بكربلاء.

رصد الراحل مير بصري في كتابه «أعلام اليهود في العراق الحديث» (الوراق 2006)، والذي صدر بُعيد وفاته، لأكثر من مائة شخصية يهودية عراقية، ومن طبقات مختلفة: الحياة العامة، رجال الدين، الفكر والأدب والصحافة، الاقتصاد والتجارة، عن دار «الوراق» الذي استهله بثلاث مقدمات. كتب المقدمتين الأوليين البروفيسور شوموئيل موريه، رئيس رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق، وكتب المقدمة الثالثة دافيد صميح، وهي عبارة عن سيرة المؤلف الذاتية، تحت عنوان «عراقي عربي يهودي».

يشعرك السطر الأول من مستهل الكتاب، وهو نص من سِفر «ارميا» من الكتاب المقدس، أن هؤلاء العراقيين، بحجم المسؤولية التي يحملها هؤلاء تجاه العراق: «بمسؤولية تجاهه» اطلبوا سلام البلد الذي أوعزت بنقلكم إليه أسرى، وصلوا إلى الله من أجله، ففي سلامه سلام لكم. وتأتي في المستهل أيضاً شهادات من عراقيين آخرين، أشارت إلى عمق الآصرة الوطنية، قياساً بما حدث بعد الأربعينات،

وبعد قيام إسرائيل، وهجرة اليهود إليها. جاء في خطاب الملك فيصل الأول، وهو في ضيافة يهود العراق ببغداد: «لا شيء في عرف الوطنية اسمه مسلم ومسيحي وإسرائيلي، بل هناك شيء يقال له العراق... وإني أطلب من أبناء وطني العراقيين أن لا يكونوا إلا عراقيين، لأننا نرجع إلى أرومة واحدة، ودوحة واحدة ..... وليس لنا اليوم إلا واسطة القومية القوية التأثير».



وبعد إعلان وعد بلفور، وعدم اكتراث وجهاء يهود العراق به، عندما استطلع آراءهم نائب الحاكم البريطاني بالعراق أنذاك، كتبت جريدة «دجلة» في 3 يوليو (تموز) 1921 تقول: «إن ما ذكرناه في بعض أعدادنا عن الصهيونيين ليس له علاقة بمواطنينا الموسويين. فيهود العراق بنظرنا عرب وعراقيين، وكل فرد منهم يمت بعربيته إلى السموأل اليهودي العربي، الذي نزلت لاميته المشهورة في قلوبنا منزلة الإلياذة في قلوب الإغريق، وأشعار شكسبير في قلوب أبناء اللغة الإنجليزية». وقد أكثر المؤلف في مستهله من أبيات شعراء مسلمين عراقيين تنبهوا مبكراً إلى محاولات استغلال الفِرقة الدينية، لضرب الوحدة العراقية. ويأتي في مقدمتها بيت لمعروف الرصافي: «وهل هم في الديانة من خلاف..نصارى أو يهود ومسلمونا». وبيت للأديب الشاعر محمد صادق الأعرجي: «رغم اختلاف الدين سوف يضلنا.. وطن يوحد بيننا دستوره». ونصوص أخرى أوردها المؤلف ليعزي بها نفسه، وهو يعيش يومياته البغدادية في منزل شيخوخته بلندن، تحيطه تراجم العراقيين، ومؤلفاتهم وأضابير رسائلهم الشخصية له، المستمرة من بغداد حتى قُبيل وفاته، مردداً بيت زميله الشاعر المحامي أنور شاؤول: «يا دياراً حبها تيمني.. لك في قلبي غرام أبدي»، الذي مات سنة 1984 بعيداً عن العراق أيضاً.

لقد سمي مير بصري، وعن حق، بمؤرخ الطبقات العراقية لجهوده الكبيرة في تراجم العراقيين، وما هذا الكتاب إلا جزء يسير من سِفره «أعلام العراق في القرن العشرين»، الذي ترجم فيه لأكثر من ألف شخصية عراقية، من مختلف الأديان والمذاهب والقوميات.

كان يهود العراق نشطاء في كل مجالات الحياة: صيارفة، وأطباء، ومهندسين، واقتصاديون، ورجال أعمال، ومزارعين، وقضاة، وموسيقيين، ومطربين، ووزراء، وحاخامات. إلا أن نشاطهم في المجال الاقتصادي قد فاق الأنشطة الأخرى،

وهذه صفة يشترك فيها اليهود بشكل عام. لقد أداروا أول بنك تأسس ببغداد 1889، ثم أداروا البنوك الإنجليزية. ويُذكر أن التجار العراقيين لم يكترثوا لأهمية الخدمات البنكية، فكان هذا البنك هو الذي «يذهب» إلى دكاكينهم في سوق بغداد. فكان اليهودي يوسف سموحة يدور عليهم صباحاً، بصحبة فراش يحمل أكياس النقود. ولم يستمر يوسف في هذه الوظيفة، فسرعان ما تركها إلى بريطانيا، ثم هاجر إلى مصر ليكون من أغنيائها، وشيد هناك مدينة سياحية، هي مدينة «سموحة». وحكاية سموحة واحد من مئات حكايات اليهود العراقيين، الذين برزوا في الشتات، وأصبحوا من الوجهاء، فعائلات آل ساسون وأدورد شلدون تبوأ أبناؤها مناصب وزارية في بريطانيا. على أن «صرافي باشي»، رئيس صيارفة بغداد، هرب إلى مدينة أبي شهر الإيرانية بعدما غضب والي بغداد المملوكي عليه، وهناك أسس خلال عشر سنوات أسرة داود ساسون، التي اشتهرت بالتجارة والعلاقات العامة، ثم أسست في بريطانيا «روتشيلد الشرق».

وكان ترجمان والي بغداد، الوزير فيما بعد، ساسون حسقيل، رئيس الصيارفة من اليهود أيضاً، وهو بمثابة محافظ البنك المركزي اليوم. والسبب يعود إلى اهتمام اليهود بالتعليم، وقد افتتح أغنياؤهم، إضافة إلى المدارس المغلقة، مدارس للعراقيين كافة. ويرى مير بصري أن فتح فرع مدرسة الاليانس الباريسية ببغداد (1865) وفتح قناة السويس (1869)، كانا وراء تقدم يهود العراق، فالاولى علمتهم اللغات وفنون الإدارة، والثانية فتحت لهم أبواب التجارة مع الغرب مباشرة. وقديماً ذكر الجغرافي ابن خُرداذُبَة (ت نحو 912 ميلادية) في كتابه «المسالك والممالك» نشاط يهود العراق التجاري بين الشرق والغرب، فكانوا يجلبون من الصين والهند: المسك، والتوابل، والكافور، ومن الغرب الفراء، والديباج، والجلود والجواري.

لا ينسى التاريخ ليهود العراق دورهم في تأسيس الدولة العراقية الحديثة (1921)، والنهضة العراقية التي أعقبتها.

كان ساسون حسقيل أول وزير للمالية، وبفضله أخذ العراق يسترجع واردات النفط بالباون الذهبي، بدلاً من العملة الورقية، بعد إصراره على هذه المعاملة في المفاوضات (1925) مع الجانب البريطاني، رغم اعتراض أعضاء الوفد العراقي على ذلك. وقد قدر العراقيون، في ما بعد، أهمية هذا الموقف. إلا أن تدخل البريطانيين منع ساسون أن يكون وزيراً ثانية. وكان ساسون منظم أول ميزانية مالية في تاريخ العراق، وأول منظم لهيكل الضرائب على الأسس الحديثة. وكان قد شارك في مؤتمر القاهرة (1921) برئاسة ونستون تشرشل، الذي خصص لمباحثات قيام المملكة العراقية. ويلاحظ شاموئيل موريه في مقدمة الكتاب، بشعور يجمع بين الألم والعتب، أنه كيف يتحول اسم حسقيل (كشخصية عامة) إلى مادة لثلب اليهود بما يشار إليه بالبخل والجبن. إلا أن رثاء معروف الرصافي لمواطنه ساسون حسقيل في قصيدة عصماء، كان محملاً بالاعتذار:

ألا لا تقل: قد مات ساسون بل فقل تغَـور من أفـق المكارم كـوكب

فقـدنا بـه شيخ البرلمـان ينجلي بـه ليله الداجي إذا قـام يخطـب

وكان اليهودي العراقي إبراهيم الكبير، مدير عام المحاسبة والمالية، هو أول مَنْ وضع النقود العراقية (1932) بدلاً من الروبية الهندية والليرة التركية. وأنشأ سليمان عنبر جريدة «تفكر» باللغتين العربية والتركية (1912)، وكانت تصدر إلى جانب مجلة «لغة العرب» لصاحبها الأب انستاس الكرملي (ت1947). وغير هذا اشترك مع توفيق السويدي (رئيس وزراء فيما بعد) في المؤتمر العربي بباريس 1913. وأنشأ مناحيم صالح دانيال دار «الميتم الإسلامي» ببغداد 1928 من ماله الخاص. وكان أول طيار مدني عراقي هو اليهودي ساسون دانيال صالح. ولم يكن يهود العراق السياسيون انتهازيين، بل يشهد للوجيه عزرا مناحيم دانيال اعتراضه على محاولة الوصي على العرش عبد الإله توسيع صلاحياته (1943). ولم تكن بين العراقيين الحساسية الدينية والمذهبية، التي تشغلهم اليوم، فقد كان متعهد الدفن في العتبات المقدسة الشيعية يهوديا عراقيا، ومن أسرة آل حردون، وكان لهم في العشرينات عزاء حسيني بكربلاء.



احتفظت ذاكرة العراقيين، وخصوصاً البغداديين، بنوادر كثيرة لأول طبيب أعصاب بالعراق وهو اليهودي جاكي عبود، الذي تولى تأسيس وإدارة مستشفى الأمراض العقلية، وكانت له جولات مع مرضاه المجانين، حتى استخدم اسمه على سبيل المزاح في الشارع البغدادي، وهو الآخر مات مغترباً ببريطانيا.

كان مير بصري من أواخر أعلام اليهود الذين غادروا العراق (1974)، أملاً في تحسن الحال، وكان هو نفسه كفاءة لا تعوض، عمل في وزارة الخارجية، والتجارة، ومثل العراق في أكثر من مؤتمر، ومنها مؤتمرات المستشرقين، وحضر موسم المربد (1969) إلى جانب الشاعر أنور شاؤول، وكرم بوسام لإبداعه الأدبي، وهو واحد من مئات الكتاب والأدباء والفنانين اليهود ممَنْ خسرهم العراق، وتشتت أحوالهم من بعده، ولم يقووا على الكتابة بغير العربية، ولم يفارقهم الحس العراقي. لقد حذر تقرير لجنة «بيل» بعد زيارة إسرائيل (1937) من خطورة تشتت تلك العقول، وجاء فيه: «إن انشاء دولة إسرائيلية يعني القضاء على الجاليات اليهودية الزاهرة في العراق ومصر، وغيرها». وقد تحقق هذا!

لم يكن كتاب «أعلام اليهود في العراق الحديث» تراجم شخصية فحسب، إنما حوى صفحات من تاريخ العراق السياسي والاجتماعي، وحراكه الثقافي في عقود العشرينات حتى الستينات من القرن العشرين. فمن خلال الشخصية اليهودية تفرع مير بصري إلى شخصيات عراقية أخرى، وحوادث ما زالت مجهولة. يضاف إلى ما فيه من تجارب تدل على التعايش والتسامح في المجتمع العراقي، قد يأنس بهما العراقيون في غيهب التعصب والفِرقة الطائفية السائدة في هذه الأيام.

 

     
           
  top        
       
Back to Home Page