hd  
 

دير 'مار متى'

نشر في جريدة (صوت بخديدا) العدد 47 شباط 2008

 

'القسم الأول'




يا دير متى سقت إطلالك الديم

وانهل فيك على سكانك ألدهم

فما شفى غلتي ماء على ظمأ

كما شفى حرّ قلبي ماؤك الشيم

هذان البيتان من الشعر وجدا مكتوبين على حائط دهليز في دير 'مار متى' لا يعرف من هو صاحبها ولا مكانها بالضبط ، فقد أصابها ما أصاب الدير من ويلات ونكبات خلال تاريخه الطويل الذي يمتد إلى أكثر من 1600 سنة .

كاتب هذين البيتين قد بهرته طريقة بناء الدير ومعيشة الرهبان فوجد بأن هذه الطريقة التي من خلالها يستطيع أن يعبر عن عظمة الكهوف والقلايات التي حفرتها أنامل وأزاميل هؤلاء النساك .



الطريق إلى الدير




دير مار متى ، صرح إيماني وتاريخي كبير ، لا بل هو من أقدم ألاماكن التاريخية والاثارية في العراق ومن المزارات الدينية المقدسة للمسيحيين وكذلك للطوائف الأخرى .

يقع على بعد 35 كم شمال شرقي الموصل ، 2100 قدم ارتفاعه عن مستوى سطح البحر ، الصاعد عليه سيراً على الأقدام يتسلق الجبل بين مرتفعين الطريق مرصوف بالحجارة ، اثنين وثلاثون استدارة يمنه ويسرى تقدر بكيلو متر تقريباً، هذا الطريق يطلق عليه تسمية 'طبكي' وهذه كلمة سريانية من 'طبويو' أو 'طيبوتو' ومعناها المرتقى أو الصعود علواً أو ارتقاء ً. هذا هو الطريق إلى الدير تسلقاً أو مشياً . ارتفاع قاس وعمودي ، ويبدو الدير كطفل يغفو على صدر عملاق خرافي تشعر بدفء العلاقة بينهما .

أما الطريق الأخر والذي شق في الثمانينات من القرن الماضي فهو مخصص للسيارات ويقع شمال الطريق الأول وهو يتلوى كالأفعوان يميناً ويساراً ، التواءات حادة وقوية تجعلك تضع قلبك في (ثلاجة) ويكون نظرك إلى الأمام دائماً حيث بناية الدير الشامخة ، فالالتفاف إلى الخلف تجعلك ترى الهوة السحيقة والتي تنتهي بواد ٍ سحيق يشعرك وكأن حيوان خرافي جائع قد فتح فاه بانتظار فريسة تأتيه على غير موعد ، وكثرة التدقيق في ارض هذا الوادي تجعلك قريبا من الشعور بأن تكون عدداً صغيراً يختفي في جوف هذا الحيوان.

المسافة بين ارض الوادي والدير لا تستغرق بالسيارة سوى دقائق وهذه هي الطريقة التي اخترتها في الوصول إلى الدير ، فمن غير الممكن أن اسلك الطريق الأخر وهو التسلق من حافة الوادي صعوداً إلى القمة ، الشباب اختاروا هذا الطريق فهم يفضلوا الطريق الأصعب وكذلك المجازفة التي يفضلها مثلي وقد تجاوز عتبة الخمسين.

الدير من الداخل

اجتزنا بوابة الدير العالية والتي تزينها قطعة من حجر الحلان منقوش عليها عبارة 'دير مار متى للسريان الأرثوذكس' بالعربية والسريانية هذه البوابة تعلوها المجرسة والتي صممت على شكل قبة صغيرة لا تختلف عن غطاء الرأس الذي يستعمله المطارنة السريان، ولا ادري هل هذا التصميم جاء عفوياً بهذا الشكل أم إن المعماري الذي صممه أراد له أن يكون هكذا.

يقودك الدرج إلى جوف الدير ، غرفة الاستعلامات على يسار الداخل تضم مجموعة من الشباب ، تخفف ابتسامتهم تعب ( 1200 قدم ) والتي اجتزتها صعوداً.

معلومات بسيطة تأخذ طريقها إلى السجل الخاص بهذا القسم (الاستعلامات هذه المعلومات تؤمن لك الإقامة والمبيت في حالة رغبتك بذلك).

كان وصولنا ظهراً وها هي ساحة الدير تعج بالعشرات لا بل المئات الذين تواجدوا كل من لغرض ما .

فالعشرات من شبابنا وشابات برطلة قد امضوا يومين في الدير معهم عدد من الإباء الكهنة في رياضة روحية ، سيادة المطران متى شابا متوكا رئيس أبرشية بغداد للسريان الكاثوليك كان يقود مجموعة من الشباب (البغاددة) إلى القاعة المخصصة للمحاضرات كلمناه على عجل فقد كان مرتبطاً بموعد معهم أيضا.

عوائل عديدة فرشت ممرات الدير الكبيرة جاءوا لاداء نذر أو زيارة اعتيادية أو زيارة إعلامية كما هي حال زيارتنا هذه.

المطران شماني وجريدة (صوت بخديدا)

سيادة المطران مار طيماثاوس موسى الشماني رئيس مار متى ورئيس خورنة برطلة وشيخ متى كان لنا لقاء قصير معه بعد أن رتبنا الغرف المخصصة لنا ، رحب بنا بابتسامة قلما فارقت شفتيه، استفسر عن بخديدا وأهلها والإبداع الثقافي فيها شاكراً الجهود التي تبذل لإخراج العديد من الصحف والمجلات مشيداً بما يقدمه مثقفيها من خدمة لهذه البلدة المباركة ومن ثم لمناطق أهلنا وتاريخها بشكل عام.

استفسر عن جريدة (صوت بخديدا) هذا الجهد الإعلامي الكبير وكذلك مجلة (النواطير) وقد وجدناه يتصفح مجموعة من إعداد المجلة وهو يتذكر كتاب المجلة ورسامها وكذلك المواضيع التي سبق وان نشرتها المجلة.

بعد فنجان القهوة شرحنا له مهمتنا وهي إجراء حوار صحفي وتحقيق عن دير مار متى ، فرح بالمهمة وأعلن استعداده لأية خدمة يمكن أن تفيدنا في إكمال مهمتنا .. ولكن (قالها بعد توقف قصير) لديكم ذاكرة الدير ، أبونا الربان أدي فهو يحتفظ بكل تاريخ الدير، وإذا وجدتم إن المعلومات تحتاج إلى تعزيز أو إضافة فانا حاضر.

صافحناه بقوة شاكرين له حسن الضيافة والاستقبال.

في ضيافة الربان أدي

قبل أن نفتح أجهزة التسجيل ، رحب بنا الربان أدي خضر أبلحد القس (النعماني)هذا هو اسم ضيفنا الكامل، وقبل الحوار معه ، لابد من نبذة مختصرة عن هذا الإنسان الذي نذر نفسه في خدمة النفوس في أبرشية مار متى ...

إذن معلوماتنا عن الأب الربان خضر تقول:

انه من مواليد بحزاني 1940، أنهى دراسته الابتدائية من مدارسها عام 1957، لينخرط في سنة 1959 في سلك الرهبنة في الكلية اللاهوتية في الموصل ومضى فيها ثلاث سنوات بعدها نقلت الكلية إلى مدينة (زحلة) في لبنان فأكمل هناك دراسته، تخرج سنة 1963 من المعهد اللاهوتي ورسم راهباً مبتدئاً على يد المثلث الرحمة البطريرك (يعقوب الثالث البرطلي) في 14/أيلول/1963 فعمل في مقر البطريركية في دمشق حيث عمل في مدارسها الأهلية كمدرس للسريانية والتعليم المسيحي وبعض الدروس الأخرى حتى سنة 1970 حيث نقل إلى دير مار متى . أعيد مرة أخرى إلى سوريا سنة 1973 إلى منطقة الجزيرة (أبرشية حسكة) (عامودا) وبقي يخدم حتى سنة 1979 ، حيث عاد إلى العراق ليعين معاوناً لسيادة المثلث الرحمة المطران ماديوقورس بولص لوقا شعيا مطران أبرشية مار متى عام 1981 إضافة إلى خدمته في كنائس بعشيقة وبحزاني وميركي وبرطلة وكذلك في البصرة ، فضلا ً عن خده في البرازيل من عام 1984-1986.

خدم في كنيسة برطلة للفترة (1989-1992) وفي البصرة (1992-1995) بعد عودته من البصرة أي منذ عام 1995 لا يزال يخدم في دير مار متى.

هذه هي المعلومات المدونة لدينا عن الأب الربان (أدي خضر) بعد هذا الموجز يا أبونا عن سيرتك الذاتية فمن حقنا إذن أن نبدأ أسئلتنا..

طالما تتعلق جميع هذه الأسئلة بدير مار متى ، فلا ادري يا أبونا هل نوجه جميع هذه الأسئلة دفعة واحدة ، أو تتحدث عن مرحلة معينة ليكون بعدها سؤال آخر ؟ كما تريدون (قالها أبونا) أنا حاضر لكل الأسئلة.

إذا كان الأمر هكذا فليكن سؤالنا التالي:

أبونا أدي، دير مار متى أسس في القرن الرابع الميلادي من قبل الناسك (متى) وعين أول رئيس عليه ، وانضوى إليه بضعة الآلاف من الرهبان والمتوحدين في منطقة نينوى وغيرها من بلاد العراق وفارس ،



سؤالنا يا أبونا

هل بالإمكان إعطاء نبذة مختصرة عن تاريخ دخول المسيحية في هذه المنطقة ؟

ج- أنا أتشرف بكم ، وأشكركم على هذا البداية الجميلة وهذه الأسئلة القيمة بكل فرح وسرور.

في البدء أقول ابتدأ من آية الكتاب المقدس ، حيث يقول سفر المزامير لداؤد النبي 'في كل الأرض خرج منطقهم والى أقصى المسكون كلماتهم' مزمور (19) الآية (4).

تاريخ الرهبنة في الشرق ، لم يكن للرهبنة ذكر شائع قبل أواخر المئة الثالث للميلاد ، إنما من رغب العزلة والانفراد خرج من المدينة أو القرية وانتقى له كوخاً أو كهفاً لجأ إليه وانقطع فيه زهداً وتعبداً وقد غلب عليه اسم (المنسك) وصاحبه الناسك ، وما أن جاء القديس العظيم (مار أوجين انطونيوس) سنة 251 إلى سنة 356 حاملاً لواء الرهبانية في الشرق والملقب (أبي الرهبان) أو (كوكب البرية) ، فنظم شؤون الرهبنة وأقام لها الديورة وجمع شتات الرهبان خلال صوامعها ، وقد عاصره الأنبا باخوليوس المتوفي سنة 348م والأنبا بولا ومقاريوس وهيلاريوس الكبير سنة333م تلميذ مار انطونيوس وهو مؤسس رهبنة فلسطين وباسيليوس مؤسس رهبنة الأناضول سنة 360م وهكذا القديس الجليل مار اوجين ناشر الرهبانية في بلاد السريان ومعه لفيف من تلامذته وانتشرت بسرعة وازدهرت ازدهاراً بيناً حتى كاد رجالاتها يرُبون عن الإحصاء عداً.



أما في العراق فلم يكن لها ذكر بعد ، حتى بعد قدوم القديس الشهير مار متى وترحاله عن بلاده ، فجعل أول مؤسسه رهبانية في جيله وزمنه.

على حين لم يكن ثمة معهد رهباني في سائر تلك الجهات ولا يوجد من يعرف بهذا الاسم .إذن يكون القديس (مار متى) الزعيم الأكبر والقائد الأعلى للرهبانية السريانية في العراق العظيم ما بين سنتي 361-363م.

'شعرت بأن ثقل الثمانية وستون عاماً من عمر محدثي الشيخ الأب الربان أدي، ولكي اجعله يلتقط أنفاسه بعض الشئ وبعدها يستمر بالحديث عن هذا الصرح الإيماني الكبير،ناولته قدحاً من الماء،وبعد دردشة قصيرة شعرت انه مهيئأ لإكمال الحديث ، ذكرته فقط بأخر جمله قالها بعد هذا التوقف ليكمل من عندها بقية الحديث فقلت له:'

أبونا أدي, وصلنا في حديثنا إلى دور القديس متى في انتشار السريانية في ربوع هذا الوطن الجميل (العراق) واصل أبونا حديثه تحت عنوان الرهبانية في بلاد العراق)

الرهبانية في بلاد العراق

منذ الزمن الغابر ، العراق هو العراق، وطن الأمجاد والبطولات ومنبع الخيرات وموطن الحضارات وقلعة الصمود في وجه التحديات، ومعقل الرجال العظام، ومصدر الخير والعطاء والسلام ومركز الأمن والوئام وارض خصيبة مزدانة بالعلم والعرفان وفردوس جميل زاه ٍ بعبق وأريج التقى والفضائل والأيمان ، وميدان لكثير من الشعوب والأديان ومن بين هؤلاء هم الآراميون السريان.

مما لا ريب فيه إن السريان الآراميون يرتقي عهدهم إلى ما قبل الميلاد بألفي سنة ، وقد كانوا أصحاب حضارة راقية وذو تاريخ عريق مجيد موغل في القدم وكيان حصين ومجد ضارب وأدب رفيع شامخ حتى بزّ قرنهم كل الأصقاع وذاعت لهم شهرة مستفيضة ، وذاع صيتهم في كل البقاع ، مما حدا بهم أن يشار إليهم بالبنان أمام جميع الملأ والأعيان.وأصبحت لهم منزلة مرموقة عبر التاريخ الحافل بجلائل الأعمال وعظائم الأمور والأحوال فأبدعوا وبنوا وابتكروا وقدموا خدمات جليلة للمجتمع والإنسانية في كل الميادين الروحية والمدنية والعمرانية كافة





وللسريان الأرثوذكس والسريان عامة في العراق العظيم الحبيب أمجادا ً تاريخية خالدة وآثاراً قديمة ثابتة عريقة العهد وتحتوي على معالم دينية وروحية عملاقة أكدت عظمتها الأجيال السحيقة ومن بين تلك المعاقل المشهورة ذات العظمة والمفاخر لأبرشية دير مار متى العجيب ُملك السريان الأرثوذكس في ربوع نينوى العظمى.



موقع دير مار متى




يقع دير متى على مسافة 35كم شمال شرق مدينة الموصل (نينوى) ، وهو من ألاماكن الأثرية التاريخية في العراق وأقدم دير مسيحي بلا منازع ، ويعد من المزارات الدينية المقدسة العائدة ملكيته للسريان الأرثوذكس وكذلك يعد من محاسن شمال العراق موقعاً ومكانةً ومناخاً وقدسيةً وجمالاً. ومن أكثر الأديرة المسيحية شهرةً ومكانةً وسيطاً بعراقته وقدمه وكرامته ، ويرتاده الناس جميعاً المسلمون والمسيحيون على حد سواء وغيرهم من الملل للتبرك والاستشفاء.

شكراً جزيلاً أبونا على المعلومات التاريخية المهمة ويبدو انك تحفظ تاريخ الدير على ظهر قلب وهذا يبدو واضحاً من خلال السرد التاريخي المتسلسل للمعلومات، معلوماتك هذه يا أبونا تجعلنا لا نستعين بمصدر تاريخي أخر لغرض التدقيق أو الهوامش. حديثك هذا جعلني متيقن بان الكثير من الصحفيين أو الزوار يرغبون في زيادة معلوماتهم عن هذا الصرح الإيماني.

top