hd    


أحتفالات موصلية في الذاكرة (1) ـ افتتاح بناية المحاكم

خالص عزمي

الثلاثاء 07/12/2010


مع اننا كنا في العطلة الصيفية ؛ فقد قررت ادارة الاعدادية ( الشرقية ) ان تشرك عددا كبيرامن طلبتها في مراسم الاحتفال العام بافتتاح بناية المحاكم الجديدة ؛ وقد وقع الاختيار على اربعة منا فقط لنتولى الاستقبال داخل الصالة الرئيسة لذلك الصرح الفخم ؛ طبقا لما قررته مديرية المعارف التي أمرت أيضا بان تتوزع مجاميع طلاب المدارس ألاخرى على الطرق المؤدية الى مطار الغزلاني ومنه الى مدخل تلك المحاكم
 .
حينما توجهت مع بقية الطلبة لتولي مهامنا في الصباح الباكر ؛ كانت الموصل بازقتها وشوارعها ومحلاتها العامة ودوائرها الرسمية تزدان بحلة قشيبة ؛ فقد راحت الاعلام العراقية تخفق في سمائها عاليا ؛ ومصابيح الزينة الملونة تنتشر على بناياتها تظللها سعفات النخيل التي شكلت اقواسا على واجهات معالمها ؛ بينما اصطف صغار التلاميذ وهم يحملون الزهور امام افراد الشرطة والجيش وهم يقفون مستعدين بالقرب من ديوان المتصرفية والنادي العسكري وحديقة الشهداء وقصر الضيافة ورئاسة البلدية ؛ وغيرها من المراكز الحكومية الهامة.


في صباح يوم 14/آب / 1948 وصلت الطائرة الملكية مطار الغزلاني ؛ و هنا أترك للصحافة الموصلية وصف ساعة الوصول حيث قالت : وعندما هبطت الطائرة برعاية الله في ارض المطار نزل منها (صاحب السمو الملكي الوصي وولي العهد الامير عبد الاله ) وكان يرافقه في هذه الرحلة كل من اصحاب المعالي السيد محمد حسن كبة وزير العدلية ؛ والسيد نجيب الراوي وزير المعارف ؛ والسيد جلال بابان وزير الاشغال والمواصلات ؛ والسيد احمد مختار بابان رئيس الديوان الملكي؛ والسيد تحسين قدري رئيس التشريفات الملكية ؛وبعد ان فتش سموه حرس الشرف صافح المستقبلين وعلى رأسهم سعادة متصرف اللواء السيد خليل عزمي ؛ ثم استقل السيارة الملكية يتبعه موكب الحاشية متوجها نحو بناية المحاكم .
حينما وقفت السيارة الملكية امام المدخل الخارجي للبناية والذي تحيط به الحدائق من جانبيه ؛ ترجل سمو الوصي من سيارته ومن بعده متصرف اللواء الذي كان يجلس على يساره ؛ ووقف للحظات امام المدخل الواسع ؛ في حين كانت الذباح تنحر على الممر تكريما لمقدمه ....
كانت هذه اللقطة ؛ هي المرة الاولى التي اشاهد فيها الامير عبد الاله مباشرة ؛ كان طويل القامة بهي الطلعة يرتدي بدلة ناصعة البياض ؛وحينما سار على تلك البسط الصوفية الممتدة على طول ذلك المدخل حتى البوابة الرئيسة ؛ كان معتدل القامة مرفوع الرأس ؛ مستقيم النظر تعلو فمه ابتسامة الرضا والابتهاج بذلك الاستقبال الحاشد .
كانت البوابة التي تقدم اليها وموكبه ...؛ محاطة بشريط العلم العراقي ؛ وقدوقف المتصرف على اليمين منها؛ في حين وقف رئيس المحاكم على يسارها وقد حمل صينية فضية صغيرة عليها مقص الافتتاح ....تقدم الامير من البوابة وتسلم المقص وراح يقطع الشريط وهو يقول بصوت مسموع ( بسم الله الرحمن الرحيم) .ثم دخل الصالة يحف به كبار المدعويين ؛ ليجلس في صدرها ؛ هنا بدأ عريف بقراءة مفردات المنهج المعد سلفا والمتضمن : ـ

1ـ تلاوة من آي الذكر الحكيم عبد العزيز الخياط
2 ـكلمة وزير العدل معالي محمد حسن كبة
3ـ كلمة الافتتاح ثم قصيدة رئيس المحاكم الاستاذ ابراهيم لواعظ
4 ـ قصيدة عبد الخالق طه باسم لجان التسوية
5 ـ كلمة المحامين ابراهيم وصفي المحامي
6 ـ قصيدة أسماعيل حقي فرج عن اهالي الموصل
7 ـ تقديم صورة المحاكم الزيتية الى حضرة صاحب السمو الملكي المعظم
8 ـ بعد انتهاء سموه الملكي من الزيارة ومغادرته البناية يقوم المدعوون بزيارة غرف المحاكم وصلاتها .


كان حفل الافتتاح مهيبا وجليلا حيث افتتح بتلاوة من أي الذكر الحكيم بصوت القاريء المعروف السيد عبد العزيز الخياط ؛ كان صوته الوقور يغمر موقع الاحتفال وكذك ارجاء واسعة مما يحيط به عبر مكبرات الصوت التي انتشرت في مواقع متعددة من المناطق التي تحيط بالبناية البيضاء الانيقة .

لقد غلب شعر المناسبة على الاحتفال سواء ما القي منه في القاعة او فيما نشر بعدئذ في صحف ومجلات الموصل او العاصمة بغداد. ومن نماذج ما القي منه ؛ اخترت هذه الاضمامة من المقاطع و الابيات : ـ
فهذا رئيس محكمة استئناف الموصل الشاعر ابراهيم الواعظ ... فبعد ان ألقى كلمته الرسمية أنشد قصيدته الترحيبية التي يقول في مطلعها :

العدل انت اساسه المستحكم والحق انت بناؤه المتقوم
والحكم أنت عماده وسناده وقوامه وعميده المتحكم
والملك انت مديره بسياسة مقبولة منا وانت الاحكم
والملك انت وليه ووصيه نعم الوصي وانت نعم المنعم
ثم هذا الشاعر عبد الخالق طه يلقي هو الاخر ابياته بالنيابة عن لجان تسوية حقوق الاراضي في الموصل يؤكد عى دور امحاكم في انصاف المظلومين وتحقيق العدالة فيقول :

يشكو وما لشكاته اصغاء عان ترقرق دمعه البرحـــــــــاء
يا لوعة المظلوم يبصر حقه ــــ قيد المنال ودونه البلواء
يطوي الضلوع على اشد مرارة من فتنة يدعو لها الزعماء
يا للضعيف تدوسه قدم الطغاة تجبرا وتلوكه الاهواء
ابدا تراه على الحياة قصيدة بلهاء ترويها لغى سوداء
اما الشاعر اسماعيل حقي فرج ؛ فقد اشاد بهذاالصرح بقصيدة تحت عنوان ( صرح العدالة وتاريخه ) يقول فيها :

اقمنا هنا صرح العدالة ناهدا كما اقمناه طريفا وتالدا
على اسس التقوى رفعنا مناره فراح الى اوج المجرة صاعدا
أقمناه مثل ( الخلد قصرا) مشيدا ومن كان مثل الخلد أصبح خالدا
وقد مثل الرئيس ( النقيب ) الخيال الشاعر عبد القهار الكبيسي ؛ الجيش الباسل بقصيدة جاء فيها : ـ

حياك ياابن ( المصطفى ) حياك حياك ما وطأ الثرى قدماك
حياك حيا العدل فيك ممثلا حيا جلال الملك في مرآك
للعدل والقسطاس جئت مشرعا ومناديا للحق في مرآك
دور المحاكم فيك اشرق نورها وتبددت ظلماتها بسناك
كابدت وعثاء الطريق لفتحها ولذاك برهان لنيل ولاك
وكسوتها بالفتح مجدا خالدا أمد الدهور وهل يزول كساك
أما ما نشر من القصائد في الصحف والمجلات ايضا ؛ فهذه قصيدة لفضيلة السيد نعمة الله النعمة جاء في مطلعها :

أجل صفات العاملين المكارم وأمنع حصن للمضام المحاكم
ومن رام اصلاحا فلا ريب ناجح وما خاب مسعاه ولا هو نادم
وقدما أشادوا بالكرام وأنشدوا لمن سبقت فيما أتوه العظائم
( على قدر اهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم)
وقد شرف اليوم الوصي افتتاحها به ابتهجت ارجاؤها والمعالم
وهذا استاذي ذو النون الشهاب ينشر قصيدة رقيقة ؛ كرقة احاسيسه و الوزن والقافية ؛نختار منها هذه الابيات:

أثغور الاقاح والجو حالم بددت شجو مدنف القلب هائم
أم لحون مسلسلات نشاوى حملت نفحة العلى والمكارم
همت بالفن مسعدا ومجيرا من خطوب تترى وجور ملازم
فصفقت الغداة أهتف بالش عر اناجي امثولة للـــــــعظائم
مستعزا يحثنــــــي كل فعل ألمعي المآل رحب الخواتم



و قد كان للنثر ايضا مكانة فيما القي ونشر ؛وهو نثر لايتجاوز في اكثره تسجيلا نمطيا في مجال الوصف والاشادة ببناء المحاكم ؛اضافة الى ما تضمنه من عبارات الترحيب الذي اقتضته الضرورات الرسمية .
يقول المحامي الاستاذ ابراهيم وصفي في مطلع كلمته (نحتفل اليوم بالعدالة بناء ؛ لترمز الى اعتزازنا بالعدالة قضاء ؛وانا لنبتهج ان تقوم للعدل دار في هذه المدينة المجيدة ؛ ففي ذلك معنى من معاني الانشاء ؛ ونحن أحوج ما نكون الى هذا الانشاء في مؤسساتنا وعقولنا جميعا ؛ اذ بذلك وحده نجد ضالتنا فيما ننشده من حياة كريمة مرفهة تستند على الاستقرار والامن والحرية ؛ ستكون هذه الدار اذن رمزا للعدل وملاذا لاصحاب الحق السليب ...)
ومن ابرز كتاب الموصل الذين نشروا كلماتهم بهذه المناسبة في الصحافة هم السادة ؛ أيوب صبري الخياط ؛ وأبراهيم وصفي المحامي اضافة الى اصحاب الصحف الموصلية الاساتذة أبراهيم الجلبي صاحب جريدة فتى العراق ؛ و محي الدين ابو الخطاب صاحب جريدة الاديب ؛ و محمود مفتي الشافعية صاحب جريدة نصير الحق ؛ ويونان عبواليونان صاحب جريدة الموصل ؛ وذوالنون الشهاب المشرف على مجلة الجزيرة ... الخ
ولعل من لمع ذلك النثر الادبي هو ما جاء في مقدمة الكلمة الفلسفية التي كتبها الاستاذ أيوب صبري الخياط حيث تسلسل فيها بدءا من الاهداف والغايات التي سبقت البناء و حتى قيامه كأنجاز فخم يليلق بأم الربيعين ؛حيث قال :
( منذ ان وجدت الحياة وجد البحث عن غاياتها ؛ ولم نعرف في التاريخ البشري عصرا كان خلوا من البحث عن الغاية او الغايات من الحياة . بيد ان الباحثين على اختلاف مداركهم وتصرفاتهم وعصورهم ؛ لم يتوصلوا الى ما يستطيعون تسميته غاية للحياة ؛ وعدم توصلهم هذا لايكون في نظري دليلا على ان الحياة غفل من الغاية ولكن دليلا على انهم بحثوا عن غايات الحياة في غير مظانها ومحالها ؛ فقد بحثوا عن اهداف الحياة في غير الحياة ؛ بل بحثوا عن الحياة في الموات ؛ ولو بحثوا عنها في صميم الحياة وفي اعماق نفوسهم بعد ان يمحصوها عن الادران ؛ لوجدوا الحياة واهدافها ؛ ولكن أضلوها ؛ فأضلتهم ؛ وأخطأوها فأخطأتهم ؛ ان غاية الحياة الكبرى هي خدمة الحقيقة والفضيلة وتغليب عنصر الخير والعدل على الشر والظلم ؛ وهذه الحقيقة التي ذهبت اليها ؛ كما تؤيدها المعقولات والمنطق ؛ نالت شرف التأييد من الله عز وجل بقوله ( واما الزبد فيذهب جفاء ؛ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض ) والمكوث هو الخلود والغايات العليا خالدة خلود الازل والابد .......لقد قيل قديما ان الواجب على من يريد ان يعمل للاجيال باخلاص ان يعين النقطة التي يبتدء منا العمل ؛ويختط طريقا يتدرج فيها لتحقيق عمله ويحدد الغاية التي يرمي اليها ) ؛
نعود الى منهج الحفل لنلقي نظرة على الفقرة (7 ) منه والتي تضمنت عرض اللوحة التي تمثل بناية المحاكم
؛ فقد تقدم رئيس المحاكم من سمو الامير واستأذنه بتقديم اللوحة الزيتية الضخمة التي رسمها الفنان نجيب يونس ال شريف بك؛ فأذن له بذلك عرضها على سمو ه فالقىعليها نظرة فاحصة وتمعن كثيرا في تفاصيلها ؛ بعدها وافق على استقبال الفنان نجيب يزنس ومعه السيد محمود الفخري النجار الماهر الذي صنع قاعدتهاو اطارها المتميز ؛ فتقدما منه حيث صافحهما مهنئا ومباركا عملهما الفني المتقن
كانت تلك الصورة الزيتية رائعة حقا ومثيرة لدهشة الكثيرين من النقاد والمتذوقين؛ وذلك لما حوته من الوان زاهية مشرقة بالتفاؤل وبراعة في تجسيد المظهر الخارجي لتلك البناية؛ فجاءت بتشكيلها المتقن تحفة فنية ( اهلت هذا الفنان الشاب فيما بعد ليأخذ مكانته الرفيعة بين الفنانين التشكيليين العراقيين والعرب البارزين ) ؛ لقد سررنا حقا ان يكون هذا الزميل الموصلي الفنان الفذ أحد المشاركين اللامعين في هذا الحفل التاريخي الكبير.

لقد شاهدت من على بعد ؛ كيف جرت الولائم التكريمية التي اقامها متصرف اللواء السيد خليل عزمي في فندق المحطة ؛ وكذلك التي اقامها رئيس المحاكم السيد ابراهيم الواعظ في الفندق ذاته ؛ اما حفلة الشاي التي اقامها
رئيس البلدية السيد خير الدين العمري ؛ فقد اذن لعدد قليل من الطلبة الشباب بالحضور اليها صحبة نجله زميلنا وصديقنا حسن العمري ؛ وقد كان لي ؛ حظ االالتقاء بعدد من من شخصيات الموصل البارزة التي حضرت تلبية لتلك الدعوة الكريمة ؛ كما اتاحت لي تلك الفرصة ايضا التحدث الى عدد منهم فأفدت من معلوماتهم التاريخية والاجتماعية والقانونية ذات العلاقة بمدينة الموصل العريقة بعامة وباهمية المحاكم كحصن قانوني يلجأ اليه الناس الذين يسعون الى الانصاف وتحقيق العدل بشكل خاص .

واليوم ...وانا اجول في زوايا الذاكرة واستعرض تفاصيل ذلك اليوم المشهود .... لا استطيع الجزم تماما ان كان ذلك الاحتفال بافتتاح بناية المحاكم الموصلية وتعرفي خلاله على عدد من كبار القضاة والمحامين وهم يشيدون بالقانون علما وانتسابا ؛كان له اثره المباشر علي لكي اندفع ــ وبكل اصرار ـــ نحو الانتساب الى كلية الحقوق .... ام لا ؟!! ولكنني استطيع الجزم بان ذاك قد شكل لي عاملا محفزا اضافيا أدىالى تحقيق تلك الرغبة الشخصية الملحة التي انتهت بي الى دراسة القانون ؛ومن ثم الانتساب الى جمهرة رجال القانون .
 

   

 

Courtsy of Akhbar website