hd بعد 52 سنة: أسئلة عن ثورة 14 تموز 1958
       
   

  • الكاتب :فائز محمد عبدالله

    • لماذا هدمت ثورة تموز الجبهة الوطنية واشعلت الصراع الدموي بين احزابها؟
    • هل ان الثورة كانت انقلابا على منظمة الضباط الاحرار ايضاً؟
    • ما سر تخلي حلف بغداد عن نظام ساهم في تأسيسه؟

    كان العراق في الخمسينيات مركز استقطاب في الصراع الدولي ضمن إطار الحرب الباردة التي قامت واشتدت بين المنتصرين في الحرب العالمية الثانية حيث انقسم العالم إلى معسكرين، غربي، وشرقي، ثم برزت مجموعة عدم الانحياز أو ما يسمى في حينه بالدول النامية التي كانت تلعب لعبتها السياسية والوطنية على هامش قطبي الصراع.
    ولقد خسر الوطن العربي بعد الحرب المذكورة وهو ليس معنيا بشكل مباشر بها، أكثر من الأطراف المشاركة فيها إذ تكررت تقريبا خسائر الحرب العالمية الأولى.
    والحرب الباردة أوجدت صراعا على المصالح في العالم استوجبت أنشاء أحلاف سياسية وعسكرية من باب الدفاع عن تلك المصالح التي أصبحت أنظمة قائمة أو جيئ بها إلى السلطة لهذا الغرض في منطقة الشرق الأوسط، كبوابات حراسة وشكل كياني يعبر عن المصالح الأمنية الدولية والإقليمية حيث انتشرت سياسة الأحلاف وكان أهمها حلف بغداد الذي تأسس من:- العراق وتركيا وإيران وباكستان وبريطانيا بعد توقيعهم الميثاق الخاص سنة 1955 في مدينة بغداد التي اختيرت لتكون مقرا للحلف، فيما اشتركت الولايات المتحدة الأميركية في اللجنة العسكرية فقط، وهي أهم لجنة فيه من دون المشاركة في بقية اللجان، وبالتالي فهي، ناقصة العضوية لكنها بحكم قوتها العسكرية والاقتصادية والسياسية وتراجع إمكانيات الإمبراطورية البريطانية تعد الدولة الكبرى المؤثرة فيه، مما انشأ نوعا من المنافسة الداخلية كحلقة من حلقات الصراع على زعامة المعسكر الغربي عموما
    .
    أذن كان العراق بحكومته ونظامه حينذاك أحد أهم المراكز السياسة والأمنية التي شكلتها طبيعة العلاقات الدولية المنحازة إلى المعسكر الغربي لحماية مصالحه مما يعني أن نظام العراق وحكومته محميان بموجب الاتفاقيات والمعاهدات الموقعة مع الغرب وخاصة بريطانيا ومعها دول ميثاق حلف بغداد، تركيا، إيران، باكستان. ومعلوم ان إيران وتركيا دولتان تشتركان في حدود مع العراق تبلغ أطوالها ألاف الكيلومترات، وكانت إحدى أهم قواعد الحلف، سياسية الضمان الجماعي، أي مسؤولية الحماية الجماعية التضامنية لدوله.
    وعلى هذا الأساس كانت بغداد مقرا لسياسة الصراع مع الدول العربية الرافضة لسياسة الأحلاف وفي مقدمتها مصر عبد الناصر التي حظيت بدعم من الاتحاد السوفيتي الذي يعمل جهده لتفكيك السياسة الغربية في منطقة الشرق الأوسط، حيث أسس روابط مع قوى ودول تريد الاستقلال.فالصورة متشكلة في أواخر النصف الثاني من الخمسينيات على ان نظام العراق محمي من
    الغرب من خلال الدول المحيطة ودول حلف بغداد الأخرى.

    فلماذا لم يتم الدفاع أذن عن النظام المذكور يوم قيام ثورة تموز 1958؟.

    لقد عملت منظمة الضباط الأحرار منذ نكبة فلسطين سنة 1948، حيث تأسست ،على الاستيلاء على الحكم عن طريق حركة انقلابية عسكرية تحررية، وفعلا جرت عدة محاولات لم يكن النجاح من نصيبها. إلا أن المهم في الأمر أن الضباط من خلال منظمتهم اتفقوا وتعاهدوا على التخطيط والتنفيذ المشترك لقلب النظام ولكن اتفاقهم وتعاهدهم لم يأخذ مجراه إلى الواقع فقد نفذ العقيد الركن عبد السلام عارف بتوجيه من الزعيم الركن عبد الكريم قاسم الحركة العسكرية بفوج واحد عمليا ومن دون ان تعلم منظمة الضباط الأحرار مستغلا مرور فوجه ببغداد صبيحة الاثنين 14تموز 1958، وهو في طريقة إلى الأردن بعد ان تحرك من مقره ومقر اللواء في جلولاء. وفي أول تشكيل للحكومة الجديدة احتكر قادة الثورة، الزعيم قاسم والعقيد عارف المناصب والمسؤوليات العسكرية اذ عين الأول نفسه رئيسا للوزراء وقائداً عاما للقوات المسلحة ووزيرا للدفاع وعين الثاني نائبا لرئيس الوزراء ونائبا للقائد العام ووزيرا للداخلية فيما تم تجاهل معظم أعضاء اللجنة العليا لمنظمة الضباط الأحرار ولم تسند مناصب مهمة إليهم على اعتبار انهم، وكذلك المنظمة، لم يشاركوا في تنفيذ الثورة.وبهذا يكون الزعيم والعقيد قد نفذا أيضا انقلابا على العمل الجماعي لمنظمة الضباط الأحرار التي كانت قد أعدت منهجا للحكم واتفاقات توصل أليها التنظيم.وكثير من أعضاء اللجنة العليا تساءلوا عن السبب الذي يكمن خلف هذه الواقعة الخطيرة.
    هل ما تقدم هو مشكلة تنظيمية فقط ؟. الوقائع بعد ذلك أكدت إن المشكلة سياسية أيضا حيث انفرد الزعيم والعقيد بكل شي ورفضا تشكيل عمل مؤسساتي كان قد اتفق عليه وهو مجلس قيادة الثورة ليكون صاحب السلطة التشريعية المؤقتة في البلاد.لكن الأمور اتجهت بإصرار من زعيمي الثورة إلى تشكيل مجلس سيادة من ثلاثة شخصيات بصلاحيات بروتوكولية فيما استحوذ رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة على الصلاحيات كلها، مما أجج الخلافات التي وصلت حد الدخول في صراع سياسي تطور إلى صراع عسكري ذهب ضحيته أهم قادة الجيش من الضباط الأحرار فضلا عن تشجيع الزعيم قاسم للصراع بين أحزاب الجبهة الوطنية لأضعاف القوى السياسية لصالح حكمه العسكري الذي نجح فيما فشل فيه نوري السعيد والوصي عبد الاله اللذان حاولا تهديم جبهة الاحزاب الوطنية. فقد استخدم قاسم سياسة فرق تسد التي ادت الى صراع دموي حزبي انعكس على المجتمع وعلى العلاقات الوطنية العراقية مازالت اثاره السلبية لحد الان بع ان هدمت كل الصلات وهدمت الثقة فيما بينها ثم جرت الويلات على العراق وشعبه.

    أما الجانب الأمني في تنفيذ الثورة فقد كان مكشوفا وصل الى حد ان يفاتح العقيد الركن عبد السلام ، وكان حينها آمراً لاحد الافواج، معاون رئيس أركان الجيش اللواء مزهر الشاوي في أوائل تموز طالبا منه المشاركة في الحركة العسكرية الذي رفض المشاركة فيها بسبب إبلاغه بان العائلة المالكة سوف تقتل. وقال الملك حسين في كتابه مهنتي كملك بان أجهزته الأمنية اكتشفت معلومات دقيقة عن التنظيم وأسماء بعض أعضائه ومسألة قيامه بحركة انقلابية وأبلغ ابن عمه الملك فيصل الثاني عن طريق مبعوثه الفريق الركن رفيق عارف رئيس أركان الجيش العراقي. فيما يقول توفيق السويدي في مذكراته بان عدنان مندريس رئيس وزراء تركيا ابلغ نوري السعيد بوجود حركة انقلابية سيقوم بها ضباط متذمرون، وكذلك فان الجنرال بختياري رئيس الاستخبارات الإيرانية زمن الشاه قد أرسل الصحفي السوري الأصل نذير فنصة إلى الأمير عبد الآلة الذي كان يصطاف في اسطنبول لينذره بقرب وقوع انقلاب عسكري طالبا منه عدم الرجوع إلى بغداد وإبلاغ الملك فيصل بضرورة مغادرة العراق فورا وكان ذلك يوم العاشر من تموز أي قبل أربعة أيام فقط من تنفيذ الثورة. هذا عدا التقارير العديدة لمديرية الأمن حول منظمة الضباط الأحرار وحركتها العسكرية الانقلابية وكذلك تقارير استخبارات الحرس الملكي
    .
    فإذا كانت الحكومة العراقية تعلم بالحركة مقدما وبريطانيا تعرف ذلك ايضاً وتركيا وإيران تحذران لماذا لم تتخذ إجراءات للحيلولة دون وقوع الحركة؟.
    أسئلة للتاريخ والباحثين لا يقصد فيها إلا البحث عن الحقيقة حتى وان كانت مرة. ولكن قد يقول قائل لماذا تثار هذه الأسئلة بعد مرور 52 سنة على الحادث؟ ويمكنني اختصار الجواب بان ثورة تموز تسببت في أحداث كبيرة أخرى، أو بالأحرى أسست لهذه الأحداث التي لم تتوقف منعكساتها الصارمة سلبا وإيجاباً على العراق وشعبه لحد هذه اللحظة. ومن هذا المنطلق لابد من بحث هذه المسألة من جديد وباسلوب جديد أيضا.

    2010-07-14

   
  top>> بداءة الصفحة