في الذكرى التاسعة لغزو العراق .. أفكار وتأملات

hd
   

 أد سعد سلمان المشهداني

 
   

صحيفة العراق الالكترونية

   
   
لا أحد يصدق ان الولايات المتحدة الأمريكية جاءت بجيوشها وجيوش دول حليفاتها وأصدقائها لكي تسقط فقط نظام صدام حسين وتستحوذ على نفط العراق فقد أثبتت الوقائع ان طموح الولايات المتحدة الأمريكية يتجاوز إلى حد بعيد المصالح النفطية والعسكرية، الى مصالح إستراتيجية سياسية وعقائدية وتاريخية تعتبر هذا البلد من اخطر المناطق في إستراتيجية السيطرة على العالم، لأنه قلب الشرق الأوسط والذي هو قلب العالم ولهذا تطلب حضورها بشكل مباشر .
أن العراق هو بيئة التنوعات وتعدد الثقافات وقطب المشكلات والمعضلات .. ومن الغباء ان تقرن مواصفاته ببلدان أخرى مجاورة أو بعيدة فيها تنوعات وتلونات وتشابكات ربما اكثر ولكنها ليست شبيهة بما في العراق . وان التنوع الاثني لشعب العراق جعله موضع اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية انطلاقا من كونه يتنوع الى شيعة وسنة(بالإضافة الى الأكراد والتركمان والمسيحيين وغيرهم)، ويقع مباشرة وسط القطبين الإسلاميين : الإيراني والسعودي. وهذا يعني انه البلد الوحيد المهيأ جغرافيا وسكانيا، لأن يكون ساحة للصراع بين القطبين لتعميق الشقة في العالم الإسلامي .
من بين أهم المقالات التي نشرتها الصحف الأمريكية عن أسباب احتلال العراق يرد تحليلاً مهماً لأحد الباحثين يقول فيه: ان هناك حضارتين على الأرض منذ الخليقة اختارت عاصمتين لها: (العراق) ليكون مركز الإبداع الناري الفعال والاجتياحي والتوسعي. و(مصر) لتكون مركز الإبداع المائي الانكفائي والمستقر. لهذا فأن هذين البلدين بقيا مركزا حضارة وتاريخ الشرق الاوسط وعموم العالم القديم، طيلة آلاف الأعوام. ومن المهم التوضيح: أن الحضارة المصرية لا تخيف الولايات المتحدة الامريكية لانها طيلة التاريخ ظلت حضارة مسالمة، لم تنبثق فيها دولة توسعية ولم تمارس الغزو الخارجي الا في زمن محمد علي باشا ولاسباب دفاعية، اذ ظلت دائما معتكفة على ذاتها وعلاقتها مع الجيران قائمة على الحماية والدفاع وليس التوسع والغزو. انها حضارة روحانية أخروية جوهرها تقديس الحياة الاخرى، لهذا فأن اعظم رموزها هي (الاهرام)، التي هي أساساً قبوراً للملوك، وكتابها المقدس هو(كتاب الموتى) الذي فحواه كيفية تجاوز يوم الحساب وبلوغ الآخرة . بينما الحضارة العراقية هي النقيض تماماً، انها مادية دنيوية أعظم رموزها هو (برج بابل والجنائن المعلقة) وهي رموز دنيوية غايتها العظمة والمتعة، اما كتابها المقدس فهو(ملحمة كلكامش) الذي أعلن صراحة استحالة بلوغ الخلود وان غاية الإنسان هو التمتع بالدنيا. نعم أن الروح العراقية نقيض الروح المصرية، لأنها نارية استحواذية توسعية، فكان العراق مقراً لإمبراطوريات كبرى توسعية منذ البابليين والآشوريين، وصولاً الى الدولة العباسية أخطر الإمبراطوريات من وجهة النظر الأمريكية والتي حكمت ثلث العالم لمدة 524 عاماً. لهذا فأن الولايات المتحدة الأمريكية قد آمنت بأن الحضارة المصرية لا يمكنها ان تنافسها، فبقيت على علاقة ايجابية معها واجتهدت دائماً لتسليط الأضواء عليها في وسائل الإعلام والمؤتمرات والجامعات والمتاحف والمكتبات. أما الحضارة العراقية فهي في نظر الولايات المتحدة الأمريكية المنافس الأكبر لأنها ذروة الحضارة المادية الدنيوية.
أنها تعرف بأن جذور الحضارة الغربية ترجع الى بابل وان تاريخ العالم القديم هنا في العراق وانه حضارة خطيرة بقدر ما هي جبارة وغنية وعظيمة. انه أشبه بالحصان الجامح الذي يحتاج الى الكثير من القوة والسيطرة والمراوغة والتركيع والتجويع من اجل تدجينه وترويضه. ان أي ضعف من قبلها ازاء هذه الروح العراقية النارية المتحفزة سوف يمنحها الفرصة التاريخية المنتظرة لكي تثب عليها وتلتهمها . لهذا فأن الولايات المتحدة الأمريكية تعمل منذ سنوات طويلة على التعتيم على الحضارة العراقية في جميع وسائل الإعلام والمؤسسات المعنية. بل تعمل على تشويهها من خلال التركيز على الموقف التوراتي منها ومسألة (سبي اليهود) ونقمة الله على بابل وتدميرها. والتعتيم أيضاً على دور العرب والمسلمين والحضارة العباسية في تنوير أوربا. وجعل(الف ليلة وليلة) وحكايات العبيد والجواري هي الصورة الإعلامية الوحيدة الشائعة في الإعلام الدولي .
بنفس الوقت، اجتهدت الولايات المتحدة الأمريكية بكل إمكانياتنا للتعمق في معرفة تواريخ وتفاصيل وخفايا الحضارة العراقية من خلال النبش والتنقيب والدراسات السرية منذ أول نزول لقواتها في منطقة تل اللحم (مركز مملكة اور القديمة) في الناصرية عام 1991، وغزو العراق عام 2003 على أمل فك أسرارها والسيطرة عليها والاستعداد لمواجهة كل مفاجأتها الغير منتظرة. أن من أهم غايات الاحتلال الأمريكي للعراق ان تستحوذ على آثاره المهمة وننقب بصورة سرية عن بعض الآثار الخاصة التي تقودنا إلى تلك الأسرار المخفية الخطيرة. ليس صدفة ان أولى خطوات الجيش الأمريكي السيطرة على الموقعين الأثريين لمدينتي (بابل) و(أور)، وتحويلهما إلى معسكرين خلال عدة سنوات من اجل التغطية على عمليات التنقيب السرية بحثا عن بعض الآثار الهامة التي ستساعدهم على فك أسرار هذه الحضارة الجبارة والسيطرة عليها.
لقد ادعت الولايات المتحدة شانها شأن الدول الاستعمارية انها جاءت الى العراق لكي تحرر أبناءه من نظام سياسي جائر ولكي تبني العراق، ولكن ما لم تقله هذه الدولة بوضوح، انها سوف تبنيه بعد ان تدمره وتفكك مفاصله، وبسيطرتها الروحية التاريخية على العراق تضمن سيطرتها الفعلية على الشرق الأوسط، وبالتالي عموم العالم. واقتضت المرحلة الأخيرة من مشروعها التدميري القائم على التقسيم الطائفي للعالم الإسلامي، ان نفرض الممارسة الفعلية لهذا الصراع أي بلوغ مرحلة الحرب الدامية بين الطرفين.
ما لم تقله الولايات المتحدة الأمريكية بوضوح، انها اختارت العراق حيث تتوفر فيه أفضل الشروط الملائمة للصراع الشيعي ـ السني. فهنالك طائفة شيعية قوية عددياً ومظلومة تاريخياً ومجاورة للقطب الشيعي الإيراني، يقابلها طائفة سنية قليلة عديديا لكنها فعالة ومتمرسة بالحكم ومدعومة طائفيا من الجوار العربي. وقد اختارت الولايات المتحدة العراق لموقعه الجغرافي المجاور لإيران والسعودية خصوصا ثم باقي المشرق العربي بالإضافة إلى تركيا، وانقسامه الطائفي الواضح جعلها تختاره كأفضل ساحة للصراع الإيراني ـ السعودي والصراع الإيراني ـــ التركي .
وهنالك اسباب مكملة داعمة اخرى، فهو ليس فقط ملتقى القطبين الطائفيين، بل ايضا ملتقى التنوعات القومية لبلدان الشرق الاوسط: عرب ، اكراد، تركمان، مسيحيون، وغيرهم..
لم تتدخل الولايات المتحدة الامريكية في أزمة تشكيل الحكومة العراقية بعد الانتخابات النيابية عام 2010 لاشهر طويلة كان يكفي منها بعض الضغوط البسيطة على قادة الأطراف المتنازعة لكي يضطروا للاتفاق والموافقة على تكوين الحكومة المناسبة. لكننا تقصدت الحيادية ولعب دور الأب الناصح الطيب الذي لا يمتلك سلطة حاسمة إزاء الضغوط الايرانية والسعودية والسورية. كل هذا من اجل ان يدوم ضعف الدولة ويفقد العراقيين ثقتهم بنخبهم وقادتهم ويدعم شعورهم الطفولي بأنهم بحاجة لدور الولايات المتحدة الامريكية الابوي الناصح والحامي لأمن العراق لقد نجح الامريكان في التحكم بعقول العراقيين، حينما أوهمتهم بأنهم عازمون على ترك العراق بعد ان فشلت سياستهم به. بينما شيدت في المنطقة الخضراء في بغداد اكبر واضخم واقوى سفارة في تاريخ البشرية. مساحتها 104 هكتارات وتعد أكبر بستة إضعاف من مجمع الأمم المتحدة في نيويورك، وبعشرة أضعاف من سفارتها في بكين. كلفتها حوالي مليار دولار وتكلفة إدارتها السنوية مليار دولار. فيها 20 مبنى و1000 موظف.
وها نحن في الذكرى التاسعة لغزو العراق نقول: لقد نجحت الولايات المتحدة الأمريكية بإضعاف وخنق العراق بفضل دعم الكثيرين بعد إقناعهم بان يكونوا أداة طيعة في مشروعها التدميري للعراق وللعالم الإسلامي بأجمعه، بحجة مكافحة الدكتاتورية وبناء الديمقراطية. كذلك فقد نجحت الولايات المتحدة الامريكية بابقاء العراق لسنوات طويلة قادمة تحت سيطرها الكاملة (مباشرة وغير مباشرة) سياسياً وعسكرياً. والعامل المهم الذي نجحت بتأسيسه ولا تزال تعمل على إبقائه هو جعل الدولة العراقية منقسمة طائفياً وقومياً، بحيث لا يمكنها ان تكون دولة مركزية قوية، وهي عرضة سهلة للتحكم بها .