لأزياء الشعبية للأقليات تختفي من الموصل
 عبد الله سالم  الموصل | 25.07.2013

 

 

 لم تعد مدينة الموصل كما كانت عليه قبل 2003 مدينةً تعيش فيها الأقليات بسلام كما فعلت طوال قرون عديدة، وبات من الصعب مشاهدة أي من أبنائها يسير على نحو علني مرتدياً الزي التقليدي لأبناء جلدته.

 

 

 

ومع التسليم بأن الغالبية العظمى من أهالي الموصل هم من العرب، فالزي العربي هو الزي الفلكلوري الوحيد المتبقي حتى اليوم أما أزياء الأكراد والمسيحيين والتركمان والايزيديين والشبك التي تجمع ألوان قوس قزح والذين عاشوا في المدينة لقرون طويلة فاختفت اليوم.

 

 

 

 حملات التصفية والتهجير التي استهدفت الأقليات في سنوات الفوضى والإرهاب هي التي تسببت في اختفاء فسيفساء المجتمع الموصلي القديم من الأزياء التراثية التي لا يمكن أن نراها اليوم إلا في متحف التراث الشعبي في جامعة الموصل.

 

 

 

 ويقول الباحث حامد غانم لـ"نقاش" أن الأزياء الفلكلورية الشعبية كانت تملأ شوارع الموصل حتى عام 2004 قبل أن يحدث التدهور الأمني الكبير في نوفمبر2004، حينما انهارت قوات الشرطة العراقية ودخلت القوات الأمريكية ومقاتلو القاعدة في حرب طاحنة كانت ساحتها شوارع الموصل وضحيتها الأهالي.

 

 

 

ويضيف حامد هناك "استهدافاً ممنهجاً جرى ضد الأقليات في الموصل حيث تم تفجير بعض الكنائس وتصفية  مواطنين مسيحيين، إلى جانب تهديد وقتل مواطنين أكراد وتركمان وآيزيديين وشبك، والاستهداف كثيراً ما كان يجري على أساس الزي أو اللغة واللهجة أو حتى على الهوية ما تسبب في هجرة تلك الأقليات إلى خارج المدينة وهاجر معها الزي الفلكلوري وحتى الباقين منهم تخلّوا عن ارتداء الزي الخاص بهم خوفاً من الاستهداف".

 

 

 

 نرمين عبد الكريم تمارس مهنة الخياطة منذ نحو أربعة عقود قالت لـ"نقاش" إن العشرات من خياطي الأزياء الشعبية كانوا يتواجدون في الأسواق في جانبي مدينة الموصل، ولا سيما سوق النبي يونس أو سوق الأكراد كما يطلق عليه البعض كذلك في باب السراي وشارع حلب.

 

 

 

وكان من السهولة بحسب نرمين التعرّف على قومية الأقليات أو ديانتهم من خلال الثياب التي يرتدونها فالرجال الأكراد يرتدون زي "شلو شبك" ويتألف من سروال فضفاض وقميص وكلاهما من القماش السميك، ثم يُلف عليه من الوسط قماش بألوان مختلفة لفات تحيط الخصر مع لفة قماش فوق الرأس.

 

 

 

أما النساء الكرديات فيرتدين ما يعرف بـ" الكراس" وهو ثوب فضفاض طويل يغطي الجسم بأكمله ويمتاز بألوانه الربيعية الزاهية في معظم الأحيان، ويخاط من قماش الشيفون.

 

 

 

وتتابع نرمين أن "للنساء المسيحيات من مناطق قرقوش والقوش وتلكيف أزيائهن الخاصة بهن وتمتاز بأنها فضفاضة أيضاً وبألوان زاهية، وهي تختلف عن بعضها لكنها تتوحد في عدد القطع فهناك قماش لتغطية رأس المرأة يشد من الخلف وثوب طويل وآخر فوقه مفتوح من الأمام وشال يغطي النصف العلوي من الجسم".

 

 

 

المسيحيون من الرجال لا يمكن تفريق ثيابهم عن العربية او الموصلية تحديداً، وهي تتكون من دشداشة وثوب آخر يلبس فوقها مفتوح من الأمام ويعرف بـ ( الزبون )، مع غطاء قماش للرأس وفوقه عقال مع (الدمير) الذي يشبه السترة إلى حد بعيد.

 

 

 

 أما الايزيديين فيعرفهم الأهالي من الألوان واختلاف التصاميم فرجالهم يرتدون في الغالب ملابس عادية ولكن وجه الاختلاف هو أن قمصانهم ودشاديشهم بلا ياقات، ويختفي عنها اللون الأزرق، وذلك لأسباب دينية خاصة بهم، فيما يسرنّ النسوة بثياب فضفاضة بيضاء في الغالب مغطاة بشال أحمر أو أسود وقماش سميك كغطاء للرأس.

 

 

 

ومع الإقرار بأن الأقليات في العراق باتت قلقة على زيها بسبب ترك الشباب للزي الفلكلوري واستبداله بالملابس العصرية إلا أن تلك الملابس تعد زياً وطنياً يشيع ارتدائها على نحو كبير في المناسبات الوطنية والدينة كعيد نوروز بالنسبة للأكراد، وجما للأيزيدية والميلاد للمسيحيين لكن حتى هذا الأمر اختفى عن مشهد الموصل العام وبات شيئاً من الماضي.

 

 

 

كاميران سعيد(53 سنة) أحد الأكراد الذين حافظوا على وفائهم للزي الكردي لكن عمله التجاري الذي يقضي تنقله بين مدينة الموصل ومدينة دهوك في كردستان( 60 كم شمال الموصل ) جعله يتخلى عن الزي في بعض الأحيان.

 

 

يقول كامران إنه يلبس ثياباً عادية (قميص وبنطال )عند ذهابه إلى الموصل ومع الغرابة التي يشعر بها وعدم الراحة على حد تعبيره بتلك الملابس، إلا ان ذلك كفيل بالمحافظة على حياته، ولا سيما أنه يتقن العربية بطلاقة، ولن يكون بوسع الارهابيين تمييزه عن سكان المدينة العرب.

 

 

 

ويعود الشاب الكردي إلى ثوبه التقليدي عند رجوعه إلى دهوك ويعلّق "هذا لم يكن يحدث في ثمانينيات القرن الماضي حينما كنت أسكن مع عائلتي في منطقة باب شمس شمال شرق الموصل، حيث كان والداي وأشقائي الكبار يرتدون الزي الكردي ويتنقلون في المدينة بحرية تامة".

 

 

 

  كامران بدا حزيناً وهو يتذكر عدداً من أقرباءه الذين قُتلوا في حوادث عنف وقعت في الموصل بين عامي 2004-2006 ويقول "أحدهم كان يُدعى سربست تم العثور على جثته بعد احتطافه بساعات وكانت مثقوبة بعدة رصاصات على رصيف أحد الشوارع ويداه مقيدتان بالقماش الذي كان يلفه حول رأسه.

 

 

 

 ويستذكر الشاب الكردي ذلك الحي القديم الذي كان يعيش فيه وكانت تقطنه عائلات كردية وعربية ومسيحية وتركمانية وشبكية، حيث كانوا يعيشون جنباً الى جنب بسلام ولم يكن أحد ينتبه إلى وجود فوارق قومية أو دينية أبداً.