حكاية قصيدة ألأندلس

بقلم: غانم عـنّـاز

The Story of the Andalusia Poem

By: Ghanim Anaz

لقد نشرت القصيدة ادناه على موقع أهل الموصل منذ أكثر من سنة ونصف ولا زالت تهز كياني كلما قرأتها حتى الآن. وقد رويت قصتها لبعض أصدقائي الذين ارتأوا نشر قصتها لأعزائي القراء الكرام.

القصيدة 

 حكاية قصيدة ألأندلس

لقد كانت زيارة الأندلس من امنياتى منذ سمعت عنها ونحن في المدرسة الأبتدائية. وقد زاد اشتياقي لها عبر السنين لكثرة ما قرأت عنها وعن الحضارة الأسلامية الرائعة هناك والتى كانت من أهم الروافد التي ساهمت في النهضة الأوربية الحديثة.ة

ولم تسنح لي الفرصة لزياتها الا في العام 2009 بعد ان جاوزت السبعين من عمري. لذلك فقد كانت زيارتي لها ممتعة بقدر ما كانت مدهشة حقا لطول اشتياقي للأندلس ومعرفتي بأدبائها وشعرائها وعلمائها وفلاسفتها إضافة الى فنونها كفن العمارة الذي لا زال يدهش السياح من جميع أنحاء المعمورة حتى يومنا هذا. ة

وما أن اقترابنا من إشبيلية ولاحت لنا منارتها الشاهقة من بعيد حتى انتابني شعور بالفخر والإشتياق لها وكأنني أعرفها منذ زمن بعيد. وبدأت أتلهف لزيارتها وما هي إلا سويعات حتى وجدت نفسي واقفا بقربها بين الألوف من السائحين من جميع الأجناس. لم يكن شعوي كأي سائح عادي بل شعرت بقرب ودفئ وفرح هز كياني وكأنني ألاقي صديقا عزيزاَ بعد غياب طويل. وهرعت أسعى إلى بوابتها لأدلج في جوفها لأبدأ صعود ذلك الطريق االولبي الذي كان يصعده ذلك المؤذن منذ ما يقارب الألف ومائتي عام والذي يحتاج إلى لياقة بدنية جيدة لارتفعها الشاهق. ويقال بإن الخليفة كان يصعد الى سطحها ممتطيا جواده وأن قسما من المؤذنين الذين بلغوا سن الشيخوخة أخذوا يصعدون الى سطحها على ظهور الحمير. ة

ما أن وصلت إلى سطحها ونظرت إلى ما حولها من الطرقات إلا وتخيلت ذلك المؤذن يرفع صوته بالأذان ورأيت جموع المصلين يملأون تلك الطرقات سعيا لأداء الصلاة. إنتابني عندها شعور جميل هز كياني وكأنني أنا ذلك المؤذن وتلك الجموع حقيقة لا خيال ورحت في شبه غيبوبة عن من حولي من عشرات السياح وضجيجهم المعتاد. بقيت على سطحها ما شاء الله لي أن ابقى أفحص آجرها وزخارفها ومتانة بنيانها قبل أن أنزل لأودعها كما يودع الأخ أختا عزيزة عليه. ة

وعندما وصلنا إلى قرطبة وجدت نفسي مسرعا في اتجاه جامعها الذي يعتبر تحفة معمارية تأخذ بالأبصار. دخلته لأجد نفسي مذهولا كأنني في غابة من الأعمدة التي تخيلتها كأشجار النخيل والتي يقال بأن عددها كان ما يقارب 1293 عمودا تحمل فوقها أقاسا خيلت إلي كأمواج البحر الصاخب.ة

وما أن أفقت من ذهولي حتى جلب انتباهي ذلك المحراب الرخامي العظيم والبديع في آياته القرآنية الجميلة والذي خيل إلي كشيخ جليل ذو هيبة ووقار. تخيلته يرنو إلي وكأنه يدعوني فوجدت نفسي أسعى نحوه بلهفة واشتياق وكأن بيني وبينه صلة قرابة حميمة أو كأننا كنا على موعد طال انتظاره. فسلمت على ذلك الشيخ الوقوروشعرت بمودة عظيمة له حيث خيل الي وكأنه أحد أجدادي منذ زمن بعيد. لقد كنت أعرف بأنه قد عاصر وعرف جميع خلفاء وعلماء وأدباء قرطبة وعلم أخبارهم وأسرارهم عن قرب والذين لم أعرفتهم أنا إلا عن بعد. فطلبت منه أن يروي لي ما شاهده منهم وما عرفه عنهم ورحت في شبه غيبوبة أصغي اليه وهو يحكي لي عن أخبارهم وقصصهم.ة

تخيلته يحكي لي عن ابن زيدون الذي قد أقاموا له في عصرنا هذا تمثالا بالقرب من الجامع وعن هيامه بالولادة بنت الخليفة المستكفي بعد أن فرق بينهما الوشاة والتي قال فيها أرق قصائده الغزلية التي في طليعتها قصيدته الرقيقة ذات الديباجة الرائعة التي تسيل شوقا وهياما والتي أدرج أدناه بعضا من أبياتها:ة

أضحى التنائي بديلا من تدانينا وناب عن طيب لقيانا تجافينا

إنّ الزمان الذي ما زال أنساً بقربهمُ قد عاد يبكينا

غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا بأن نغصّ فقال الدهر آمينا

بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم ولا جفّت مآقينا

نكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا

حالت لفقدكمُ أيامنا فغدت سوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا

إذ جانب العيش طلقٌ من تألّفنا ومربع اللهو صافٍ من تصافينا

لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا أن طالما غيّر النأيُ المحبينا

وتخيلته يروي لي قصة الخليفة وأظنه المعتمد بن عباد الذي كان شاعرا كذلك والذي كان ابن زيدون قد مدحه وكان ذا حظوة عنده لتجري بينهما مطارحات شعرية كثيرة. يقول كان المعتمد في نزهة مع حاشيته فرأى ما نسجته الريح على سطح الماء فارتجل ما شطر بيته المشهور:ة

نسجت الريح على الماء زرد

وطلب من حاشيته ان يكملوا الشطر الثاني فلم يأتوا بشئ يستحق الذكر وإذا بأحدى الجواري تكمله بقولها:

أيُّ درع ٍ لقتالٍ لو جمد

وبقيت أصغي اليه مستمراً بأحديثه عن حلقات العلم التي كانت تقام أمام عينيه ويحظرها كبار العلماء والفلاسفة والأدباء عبر القرون وعن العصر الذهبي لقرطبة ووقصورها وحدائقها الغناء ونهرها الخالد لينهي حديثه بأسى وحزن عن إنحطاطها وأخيراً عن سقوطها. وكان قد حان وقت الرحيل فدعوت له بالخير وكان الوداع حاراً وخيل لي بأن عيون شيخي كانت كعيوني مغرورقات بالدموع. ة

ذهبت بعدها الى الوادي الكبير نهر قرطبة الذي خلدته قصائد الشعراء والذي لا زال يعرف بذلك الأسم الى يومنا هذا فيدعونه اليوم (كوادي الكبير) ويكتبونها كلمة واحدة. وقفت على جسره أجول بنظري في واديه وضفافه فخيل لي أني أرى ابن زيدون في نزهة مفترشاً الزهور مع أصحابه يصدح بقصيدته (قرطبة الغراء) والتي منها هذه الأبيات: ة

سقى الغيث أطلال الأحبة بالحمى

وحاك عليها ثوب وشيّ منمنما

وأطلعَ فيها للأزاهيرِ أنجماً

فكم رفلت فيها الخرائد كالدمى

إذ العيشُ غضٌّ والزمان غلامُ

***

سقى جنبات القصر صوب الغمائمِ

وغنى على الأغصان وُرق الحمائم

بقرطبة الغراء دار الأكارم

بلاد بها شق الشباب تمائمي

وأنجبني قوم هناك كرامُ

***

ويوم لدى النبّي في شاطئ النهر

تدار علينا الراح في فتيةٍ زهر

وليس لنا فرشٌ سوى يانع الزهرِ

يدور بها عذب اللمى أهيف الخصرِ

بفيهِ من الثغر الشنيب نظامُ

***

وعدت أصغي من جديد لأسمع ذلك الجمع يصدح بغناءٍعذبٍ إرق من الصبا مردداً ذاك الموشح الجميل الذي منه:

يا غصن نقا مكللّلا بالذهبِ

أفديك من الردى بأمي وأبي

إن كنت قد أسأت في هواكم أدبي

فالعصمة لا تكون إلا لنبي

وما أن انتهى ذلك الغناء العذب حتى خيل لي أني أسمع أحدهم يدعو الساقي ويشتكي الظمأ ليبدأ إثر ذلك الجمع بالغناء من جديد بذلك الموشح البديع:

أيها الساقي إليك المشتكى قد دعوناك وإن لم تسمعِ

ونديم ٍ همتُ في غرّتهِ

وبشرب الراح من راحتهِ

كلما استيقظ من سكرتهِ

جذب الزق إليهِ واتّكا وسقاني أربعاً في أربعِ

ما لعيني عشيت بالنظرِ

أنكرت بعدك ضؤء القمرِ

وإذا ما شئت فاسمع خبري

غشيت عيناي من طول البكا وبكى بعضي على بعضي معي

غصن بان ٍ مال من حيث استوى

بات من يهواه من فرط الجوى

خفِقَ الأحشاء موهون القوى

كلما فكر بالبين بكى ويحهُ يبكي لما لم يقع ِ

ليس لي صبرٌ ولا لي جلدُ

يا لقومي عذلوا واجتهدوا

أنكروا شكوايَ مما أجدُ

مثل حالي حقُّه أن يشتكي كَمَدُ اليأس وذلُّ الطمع ِ

كبدي حرّى ودمعي يكفُ

يعرف الذنب ولا يعترفُ

أيها المعرض عمّا أصفُ

قد نما حبك عندي وزكا لا تقل في الحب إنّي مدّعي

وفي لحظة من اللحظات خلال ذلك الغناء خيل إلي أن زرياب ذلك العبقري الذي أطرب بغداد بعوده وغنائه كان بينهم منكبا يعزف على عوده الجديد الذي أضاف إليه وتراً سادساً.

أفقت بعد ذلك من حلمي الجميل لأودع ذلك الجمع الطروب لأتجول في طرقات قرطبة العتيقة قبل أن أودعها وقلبي مفعم بالفخر والحزن في آن واحد مردداً موشح لسان الدين الخطيب الجميل الذي يقول فيه:

جادك الغيث إذا الغيث هما يا زمان الوصل في الأندلسِ

لم يكن وصلكَ ألا حلما في الكرى أو خلسة المختلسِ

إذ يقود الدهر أشتات المنى ننقل الخطوَ على ما ترسمُ

زمراً بين فُرادى وثنا مثلما يدعو الحجيجَ الموسمُ

والحيا قد جلل الروض سنا فثغور الزهر منه تبسمُ

وروى النعمان عن ماء السما كيف يروي مالك عن أنسِ

فكساه الحسنُ ثوباً مُعلما يزدهي منه بأبهى ملبسِ

في ليالٍ كتمت سرَّ الهوى بالدجى لولا شموس الغررِ

مال نجم الكأس فيها وهوى مستقيم السير سعد الأثرِ

وطرٌ ما فيه من عيبٍ سوى أنهُ مرّ كلمح البصرِ

حين لذَّ النوم شيئاً أو كما هجم الصبح هجوم الحرسِ

غارت الشهب بنا أو ربما أثرت فينا عيون النرجسِ

أي شئ ٍ لامرئ ٍ قد خَلُصا فيكون الروض قد مُكّن فيه

تنهب الأزهار فيه الفرصا أمنت من مكره ما تتقيه

فإذا الماء تناجَى والحصا وخلا كلُّ خليلٍ بأخيه

تُبصر الورد غيوراً بَرِما يكتسي من غيظه ما يكتسي

وترى الآس لبيباً فَهما يسرق السمع بأذني فرسِ

يا أهيل الحي من وادي الغضا وبقلبي مسكن أنتم به

إلى آخر ذلك الموشح الجميل والطويل.

غانم عـنّـاز

ثشرين الثاني 2010